حمل الدعوة أمانة تنوء بها الجبال

المقال
حمل الدعوة أمانة تنوء بها الجبال
3395 زائر
27-09-2009
حسن الأشرف

عاشق الكتب ومدمنها

الشيخ السحابي: حمل الدعوة أمانة تنوء بها الجبال!

المغرب ـ حسن الأشرف

عاشق الكتب ومدمنها، هذا هو الشيخ محمد السحابي وحاله العجيبة مع كتب الفقه والعلم الشرعي، فأغلب وقته يكون برفقة الكتب يطالعها أو يقف عند مسألة علمية محددة.

يتحدث الشيخ السحابي عالم القراءات بصوته الجهوري عن هذا الجانب من حياته قائلا: ''بعد صلاة الفجر، أنام قليلا لأستيقظ وأتوجه إلى مكتبتي الخاصة في المنزل أراجع فيها بعض الكتب وأحفظ ما ينبغي أن يحفظ، ولربما تذكرت مسألة من مسائل العلم والفقه، فآخذ كتابا لأقف عليه من جديد، وأبقى على هذه الحالة إلى حين الساعة التاسعة أو العاشرة صباحا، فأتناول الفطور وأحيانا يكون معي الكتاب وأنا أفطر، وقد لاحظ علي أهل الدار أنني لا أغادر الكتب إلا لماما. وفي الصباح، ألتحق بدار القرآن بسلا، فأجلس وسط الطلبة أصحح لهم ما كتبوه في الألواح، أو أكتب لهم بعض القراءات من القراءات السبع (أرمز لهم)، وتظل هذه الجلسة القرآنية العلمية إلى حدود منتصف النهار.. وبعد صلاة الظهر في المسجد، أدخل إلى مكتبتي من جديد لأعانق كتبي إلى أن يحضر طعام الغذاء، وبعد تناوله أستريح قليلا للقيلولة، غير أن بعض الناس قد يحرمونني من هذه الاستراحة ـ يقول الشيخ مبتسما ـ إذ يأتي أحدهم يطرق الباب طالبا: ''أبغي الفقيه'' ليسألني في مسألة من مسائل الفقه أو حل مشكلة ما؛ أحيانا أعتذر فيقبلون عذري، وأحيانا أخرى لا يقبلونه، خاصة إن كان السائل قد أتى من منطقة بعيدة، فتؤخذ مني ساعة الاستراحة أخذا رغم أنني أميل إليها''.

وكأن لازمة الكتب لا تفارق هذا العالِم (أب لسبعة أولاد 4 إناث و 3 ذكور، ولديه ثلاثة أحفاد: ولدان وبنت صغيرة) يعود السحابي بعد صلاة العصر إلى قراءة الكتب، ثم الاستماع لبعض وسائل الإعلام وقراءة بعض الصحف لمتابعة مجريات الأحداث، فيعطيها شيئا من وقته، ثم يعود مجددا إلى كتبه.

ولم يُخف السحابي حبه أيضا لكأس شاي مهيأ من يديه خاصة بعد صلاة العصر، يقول: ''أحب أن أهيئ كأس شاي بيدي إلا إذا حِيل بيني وبينه فيهيؤونه لي في البيت''، ويردف قائلا: ''..وأبقى على هذه الحال من مطالعة ومدارسة إلى الليل، حيث تأتيني بعض الدعوات لإلقاء دروس أو مواعظ في مناسبات اجتماعية من وليمة أو جنازة أو عقيقة''.

ولا ينكر شيخنا الداعية أن ارتباطه بمواعيد دعوية كثيرة يكون له تأثير على أسرته: ''أحيانا أذهب إلى درس أو موعظة لألقيها دون أن أخبر أسرتي إلى أي مكان أنا ذاهب، وقد حدث في إحدى المناسبات أنني كنت مع الشيخ يحيى المدغري، فبينما نحن راجعيْن من لقاء دعوي، بادرني بالسؤال قائلا: أكثر ليالينا لا نوجد في بيوتنا، فكيف ترى الحال؟''، فقلت له: ''لو كان الطلاق بيد النساء لطلقوني أنا وأنت، ولكن عافية الله أوسع''.

وحِرص الشيخ على المضي قدما في طريق الدعوة رغم ما قد يثيره من آثار على علاقته بأسرته، يبرره بقوله: ''أحيانا عندما لا أستطيع حضور مناسبة ما، أعتذر فيقبلون عذري، غير أنني أشعر بكوني قد قصرت.. فربما يكون في الجمع الذي كان علي أن أحضره شخص لا يصلي، أو مصر على بعض الذنوب والمعاصي، فيبقى هذا الشعور يخامرني الليل كله، فأجدد العزم على أنه إذا استدعيتُ مرة أخرى لإلقاء موعظة أو درس تربوي، لن أعتذر إن شاء الله تعالى''.

ولا ينسى داعيتنا عاشق الكتب ما حدث له في مدينة اليوسفية بإقليم آسفي، حيث كانت له أول تجربة في الدعوة إلى الله عز وجل هناك، وكان يعتقد أن طريق الداعية مفروش بالورود والنيات الحسنة، لكنه فوجئ بغير ذلك تماما، وصار الاعتراض عليه أشد وطئا، يقول السحابي عن ذلك الحدث الذي ظل قابعا في ذاكرته: ''تفاجأت كيف أنني أدعو الناس إلى الخير وهم يعرضون عني، ثم جاء توقيفي.. ولكن قد انتشر ما كنت أدعو إليه في تلك البلدة ولله الحمد والمنة، ومازال الناس هناك يقولون لي إن انتشار خير الدعوة ثمرة من ثماري، وقد تعلمت من تلك الوقائع أن العداوة قد يكون لها سبب، وأحيانا لا أسباب لها، ولله في خلقه شؤون''.

فضل الله عظيم

ويتذكر الشيخ السحابي حادثا آخر لم تستطع ذاكرته أن تمحوه من سجل حياته: ''ما زلت أتذكر حادثة سير خطيرة وقعت لنا قرب منطقة سوق الأربعاء عام ,1990 إذ حدث لي كسر في رجلي اليسرى. ومن شدة خطورة الحادثة، كان الناس يحيطون بي ويقول بعضهم لبعض: ''لقنوا لهم الشهادة''، وشعرت بإصابتي في رجلي فقط مع جروح في بعض أنحاء جسدي، فعلمت أن الحوادث هي أقدار الله تعالى، وأن الخروج منها بسلام هي من أمر الله سبحانه وتعالى، فمن نظر يومها إلى السيارة تيقن أن لا أحد منها سينجو، غير أن فضل الله عظيم على العبد''. ويبرز داعيتنا آثار تلك الحادثة على حياته الشخصية بالتأكيد على أنه أصبح كالصبي لا يستطيع أن يقوم بشؤونه بمفرده، فتيقن أن الإنسان مخلوق ضعيف ''كنت أقرأ عن ضعف الإنسان وطبيعته في كتب التفسير والحديث وفي ثنايا أقوال العلماء، ولكن عندما يقع المرء في نفس الوضع الذي كان يقرأ عنه، يتضح له ضعفه بجلاء''.

السحابي بابتسامته الدائمة على شفتيه تجعل الذي يتحدث إليه يتساءل هل هذا الرجل البشوش دوما لا يغضب، لتأتي إجابة ضيفنا سريعة: ''أغضب حين أرى باطلا يجادل، هذا الأمر يزعجني ويغضبني كثيرا، أو حين أجد جاهلا يتعالى، غير أنني ألتمس له العذر.. وأغضب إذا رأيت ما يخالف الشرع جهارا؛ فإن شاهدته من بعيد أخذت طريقا آخر غير طريقي حتى لا أمر عليه، أما إن كان قريبا أسرعت المشي إذا لم أستطع تغييره، وأحيانا كثيرة أنصح من يقترف ما يخالف الشرع بالرفق والموعظة الحسنة، ذلك لأنني أعده مريضا، والمريض يحتاج إلى طبيب يشفق عليه''.

ويختزل الشيخ محمد السحابي مسار الداعية إلى الله عز وجل بالتشديد على أن الدعوة تتضمن أسرارا كثيرة وشعورا عظيما بالمسؤولية: ''لولا توفيق الله تبارك وتعالى، ما استطاع الداعية أن يقوم بشيء منها لأنها أمانة الرسل والأنبياء والعلماء والأئمة، فحمل الدعوة المباركة أمانة تنوء بها الجبال''.

المصدر: موقع مجلة " آسية " مجلة اجتماعية شاملة

   طباعة 
13 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
20-11-2009 (غير مسجل)

abderrahim nour

حفظ الله لنا شيخنا وبارك فيه وأتمنى لهذا الموقع الاستمرارية و النجاح
18-04-2011 (غير مسجل)

amine

نسأل الله أن يبارك في شيخنا ويحفظه
[ 1 ]
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي
جديد المقالات
جديد المقالات
دور الأسرة في انحراف الأولاد - ركــــن الــمــقــــالات
وداعا رمضان - ركــــن الــمــقــــالات
وقفات مع عيد الفطر - ركــــن الــمــقــــالات

ملاحظة: للتصفح بدون مشاكل المرجو اسخدام جوجل كروم

RSS

Twitter

facebook

Youtube

دخـــول الأعــضـــــاء
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
عدد الزوار
انت الزائر :384672
[يتصفح الموقع حالياً [ 55
الاعضاء :0الزوار :55
تفاصيل المتواجدون
الاحصائيات
لهذا اليوم : 259
بالامس : 3700
لهذا الأسبوع : 259
لهذا الشهر : 64749
لهذه السنة : 771251
منذ البدء : 7434193
تاريخ بدء الإحصائيات : 18-3-2011
بـحـث فـي الـمـوقـع
البحث في
شعارنا