إنتشار علم الرسم والضبط ببلاد المغرب

المقال
إنتشار علم الرسم والضبط ببلاد المغرب
3636 زائر
16-09-2009
الشيخ محمد السحابي

إنتشار علم الرسم والضبط ببلاد المغرب

يقول الشيخ السحابي أن لإبي عمرو الداني سبعين كتابا، كما بين في تحقيقه لكتاب ''التعريف'' المكتبات التي توجد فيها، والتي ذكرها العلماء في الفهارس، وذكر منها الدكتور عبد الهادي حميتو أكثر من سبعين كتابا.

ويتابع قائلا: ''قال اللبيب صاحب ''الدرة الصقيلة شرح العقيلة'': للحافظ أبي عمرو مائة وعشرون مصنفا منها أحد عشر كتابا في الرسم وأصغرها حجما ''المقنع''، وقال عبد الواحد بن عاشر له مائة وثلاثون مصنفا'' (فتح المنان ورقة17). وكتاب ''المقنع'' هو أشهر كتبه في الرسم وقد انتشر في الدنيا وأول من أشرف على طبعه حمعية المستشرقين الألمانية بتحقيق الألماني ''أوتو برتزل'' سنة 1932م ثم طبع بدمشق سنة 1940م بتحقيق محمد أحمد دهمان، وقد ذكر العلامة المحقق عبد الواحد بن عاشر في شرح المنان لمورد الظمآن نقلا عن العلامة عبد الله بن عمر الصنهاجي، الشارح الأول لمورد الظمآن، قال: سمعت الناظم مرارا يقول: '' إنهما مقنعان لأبي عمرو رحمه الله أحدهما أعظم جرما من الآخر، وأظن هذا الذي بين أيدي الناس هو الكبير وهو مفيد في الرسم، قال عنه:

ووضع النـاس عليه كـتبا **** كل يبيـن عـنه كيف كـتبا

أجلها فاعلم كـتاب المقنع **** فقد أتـى فيه بـنص مـقـنع

وللحافظ أبي عمرو رحمه الله أرجوزة في الرسم سماها: ''الاقتصاد''، وله كتاب ''التحبير''، وهما غير موجودين الآن، وله كتاب ''المحكم'' سيأتي الكلام عنه خلال الحديث عن النقط وشكل القرآن بعون الله تعالى. وقد نظم كتاب ''المقنع''الإمام الشاطبي في قصيدته الرائية وزاد عليه أحرفا يسيرة فقال:

وهاك نظم الذي في مقنع عن أبي **** عمرو وفيه زيادات فطب عمرا

وقد صنف بعد الحافظ أبي عمرو الداني تلميذه الإمام الكبير أبو داود سليمان بن نجاح كتاب ''التنزيل''، وتناول فيه علوم الرسم القرآني والضبط وأحكام القراءات وعدد الآي وغيرها مما يتعلق بعلوم القرآن.. فجاء الكتاب موسوعة في هذه العلوم، ثم جرد منه علم الرسم والضبط في كتاب ''مختصر التبيين لهجاء التنزيل''، وهو كتاب حافل بعلم الرسم والضبط وعليه اعتمد علماء المغرب واعتنوا به غاية الاعتناء، بل وترجيحات المغاربة للرسم والضبط لا تأتي إلا منه.

وفيه غناء عن غيره، وحث عليه علماء المغرب، بل جعلوه المصدر لعلم الرسم والضبط، مع كتاب ''المقنع''، وإن كان مختصر التنزيل أوسع، بل وتناول حروفا ربما سكت عنها الحافظ أبو عمرو أو لم يفصل فيها، وألزموا كل من أراد أن يكتب مصحفا أن يجعلهما مرجعين، ولقد تتبع فيه القرآن آية آية، وحرفا حرفا من أوله إلى آخره، كما جاء عنه قال: ''وأسرد لهم القرآن فيه آية آية، وحرفا حرفا من أوله إلى آخره، فيستغنى به من لا يحفظ القرآن من الناسخين للمصاحف، والدارسين له من المريدين والمتعلمين عن مصحف ينظر فيه، ونجعله إماما يقتدي به الجاهل، ويستعين به الحافظ الماهر، ويزيل عنهم الالتباس في الحروف والكلم والآي..وهو بحق إمام يقتدى به، كما قال، ومع ما يحمله من علوم الرسم والضبط والعد.

ومع عناية العلماء به قديما، فقد بقي مدفونا في الخزانات لم يهتم به أحد من الباحثين والدارسين لتحقيقه وطبعه وإخراجه للاستفادة منه، وخصوصا أنه جمع علم المصاحف الأمهات، ومع ذلك فقد بقي مكنونا.

ويخلص الشيخ السحابي إلى التأكيد : " فهذه مراجع علم الرسم، وكيف تعاملت معها الأمة الإسلامية في هذا العصر، التي تأخرت عن مسايرة الأمم في كل شيء حتى في هذه المراجع المتعلقة بكتابها العظيم، وما طبع إلا أخيرا ـ أعني كتاب التنزيل ـ في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بتحقيق الدكتور أحمد بن احمد شرشال (1923م ـ 2002م)، وقد حققه تحقيقا علميا وأجاد فيه وأفاد، جزاهم الله خيرا، فقد نابوا عن الأمة الإسلامية بهذا العمل الجليل. ولو قلنا إن هذين العلمين على الخصوص وغيرهما من علوم القرآن قد حطت رحالها بالمغرب، فليس من باب المبالغة والتهويل، بل من باب الحقائق، التي أثبتت ذلك بتحقيق مسائل هذه العلوم، والوقوف على قواعدها والأسس المبنية عليها، ووجدت الأرض التي ترعرت فيها أشجارها وأثمرت أغصانها هي أرض بلاد المغرب.

فمنذ بالقرن الثاني، صارت هذه العلوم تنتقل من أرض المشرق إلى بلاد الأندلس، ثم إلى فاس وتازة وصنهاجة وغيرها، حتى ذاع صيتها وانتشرت في ربوع البلاد كلها، فنقلها أهل المغرب بكل عزم، وذلك لما لها من ارتباط بكتاب الله تعالى فاستجابت له قلوبهم، ورأوا أن أفضل الأعمال عند الله وأزكاها هي نشر هذه العلوم من تعلم وتعليم نثرا ونظما شرحا وتوجيها وجمعا إلى غير ذلك من أنواع التأليف.. فأفنوا أعمارهم فيها، وأوقفوا حياتهم عليها فكانوا بحق أئمة يهتدي بهم كُلُّ من جاء بعدهم، فتركوا علما غزيرا، سهلوا به الصعب، وجمعوا فيه المفترق، وأوضحوا ذلك غاية الإيضاح، ومن بين هؤلاء الأعلام أبي عبد الله محمد بن محمد الأموي الشربيشي، الشهير بالخراز(ت718)، فقد انتقل من الأندلس وقطن فاس، وله نظم رائع المسمى بـ''مورد الظمآن في الرسم والضبط''، جمع فيه كتاب ''المقنع'' و''مختصر التنزيل'' المذكورين آنفا، و''العقيلة'' وذكر بعض الأحرف من كتاب ''المنصف'' وهو نظم أيضا للإمام المقرئ أبي الحسن علي بن محمد المرادي البلنسي(ت563ونظمه هذا أرجوزة في رسم المصاحف قال في أوله:

وإنـني لما رأيـت العمـرا **** مـنصرما بلغت نفسي عـذرا

في رجز قصدت فيه الكشفـا **** عن اتباع الرسم حرفا حرفــا

دون زيـادة ولا نقـصـان **** على الذي قد جـاء في القـرآن

إذ كـنت قد أخذته روايـة **** عن ابن لب مـن ذوي الدرايـة

وكان شيخا خص بالإتقــان **** في عصره من أهل هذا الشـان

حدثـني عن شيخـه المغامـي **** ذي العلم بالتنزيل والأحكـام

وكتاب المنصف تابع للتنزيل، فجمع هذه الكتب في نظمه ''مورد الظمآن في رسم وضبط القرآن''، ذكر فيه أبو عبد الله الخراز ما يتعلق بقراءة نافع خاصة واشتهر في بلاد المـغـرب.

مذكرات الشيخ محمد السحابي

   طباعة 
11 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي
جديد المقالات
جديد المقالات
دور الأسرة في انحراف الأولاد - ركــــن الــمــقــــالات
وداعا رمضان - ركــــن الــمــقــــالات
وقفات مع عيد الفطر - ركــــن الــمــقــــالات

ملاحظة: للتصفح بدون مشاكل المرجو اسخدام جوجل كروم

RSS

Twitter

facebook

Youtube

دخـــول الأعــضـــــاء
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
عدد الزوار
انت الزائر :365390
[يتصفح الموقع حالياً [ 47
الاعضاء :0الزوار :47
تفاصيل المتواجدون
الاحصائيات
لهذا اليوم : 430
بالامس : 3133
لهذا الأسبوع : 10074
لهذا الشهر : 103990
لهذه السنة : 103967
منذ البدء : 6766521
تاريخ بدء الإحصائيات : 18-3-2011
بـحـث فـي الـمـوقـع
البحث في
شعارنا