من أجل خطبة جمعة هادفة وملتزمة بقضايا الأمة

المقال
من أجل خطبة جمعة هادفة وملتزمة بقضايا الأمة
3940 زائر
03-12-2013
الشيخ يحيى المدغري

من أجل خطبة جمعة هادفة وملتزمة بقضايا الأمة

خطبة الجمعة وصلاتها شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة، أوجب الله على المسلم المكلف شهودها بشروطها التي بينها أهل العلم – رحمهم الله – وهي شعيرة عظيمة الشأن جليلة المقاصد، عميقة التأثير، في كل أسبوع مرة، وفي العام ثمانية وأربعين مرة، ولهذا التكرار غرضه في مواصلة حوار النفس، ومواجهتها ومحاسبتها في أوامر الدين وأحكامه ومقاصده.

خطبة الجمعة من أعظم وأجل وسائل الإصلاح الفردية والجماعية، فهي تحتل موقعا مهما متميزا في تبليغ الدين ونشر الدعوة منذ بدء الرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ولا تزال هي أكثر الوسائل فعالية في نشر الحق، وبث الفكر الصحيح، ومخاطبة مختلف الفئات والطبقات والمستويات، نظرا لأن الخطيب المؤهل الموفق هو الأسرع إلى فهم العامة، والأبلغ في التأثير على المجموعة، فللخطبة فعلها المباشر وسرعتها في توجيه الرأي العام .

خطيب الجمعة هو الواعظ، له دور كبير وأثر بالغ في بيئته ومجتمعه، فهو قرين المربي والمعلم، ورجل الحسبة والموجه، وبقدر إحسانه وإخلاصه يتبوأ في قلوب الناس مكانا، ويضع الله له قبولا قل أن يزاحمه فيه أصحاب وجاهات، ولا يدانيه فيه ذوو مقامات، ومرد ذلك إلى الإخلاص أولا، وتوفيق الله ثانيا، ثم إلى حسن الإجادة وجودة الإفادة، والقدرة على التأثير المكسو بلباس التقوى والمدثر بدثار الإخلاص والورع.

ولا شك أن مهمة الخطيب في هذا مهمة شاقة، مشقة تحتم عليه أن يستعد الاستعداد الكافي في صواب الفكر وحسن التعبير وطلاقة اللسان وجودة الإلقاء.

فالمطلوب من الخطيب أن يحدث الناس بما يمس حياتهم، ولا ينقطع عن ماضيهم، ويردهم إلى قواعد الدين ومبادئه ويبصرهم بحكمه وأحكامه برفق، ويعرفهم آثار التقوى والصلاح في الآخرة والأولى.

مهمة الخطيب البعد عن المعاني المكررة وجالبات الملل، فالدعوة على التجديد والتحديث والبعد عن المكرور لا يغير من الحقيقة الثابتة شيئا، ذلكم ان حياة الناس وأحوالهم في كل زمان ومكان صورة واحدة من تصارع الغرائز واضطراب النفوس وغليان الأحقاد، وفي مقابل ذلك تلقى أحوالا من البرود والانصراف والغفلة وعدم المبالاة.

والخطيب عليه أن يهدئ الثائر، ويبعث الفاتر، ويطفئ ثورة الغريزة، ويخفض من حدة الأحقاد، ويشيع روح المودة، ويبث الإخلاص والتعاون .

إن خطيب المسجد وواعظ الجماعة أشد فاعلية في نفوس الجماهير من أي جهاز من أجهزة التوجيه والحكم في المجتمع، فالجمهور قد يهابون بعض ذوي المسؤوليات، لكنهم قد لا يحبونهم، أما الخطيب بلسانه ورقة جنانه، وتجرده، يقتلع جذور الشر في نفس المجرم، ويبعث في نفسه خشية الله وحب الحق وقبول العدل، فعمل الخطيب إذا إصلاح الضمائر، وإيقاظ العواطف النبيلة في نفوس الأمة، وبناء الضمائر الحية وتربية النفوس العالية في عمل خالص، وجهد متجرد.

وليس هذا إطراء ولا مديحا للخطيب، ولكنه تنبيه إلى شرف العمل ومشقته، وعظم مسؤوليته وثقل رسالته.

منهج خطبة الجمعة:

أما منهج خطبة الجمعة فقد راعى الشرع فيه حالة المكلف، ولا شك أن الغرض الأساس منها هو التذكير والوعظ والتنبيه، إذ من المفروض أن المسلم محتاج إلى التذكير بآيات الله - عز وجل – وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم ، ليستقيم حاله ويقوم اعوجاجه، ويبادر للاستجابة على حد قوله تعالى : ( إنما كان قول المومنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ). وقوله تعالى : ( فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الالباب ).

ولهذا فقد شرع الإسلام في الخطبة عدم التطويل، حتى يعقل السامع كلام خطيبه، وتعظم هبة الدين في النفوس، وتجمع همة الحاضرين لأداء الصلاة بروح خاشعة، وألباب واعية، وألسنة داعية.

كما لا ينبغي أن تخلو هذه الخطبة من قبس النبوة فيذكر الخطيب بشيء من هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

فالعدول عن التطويل الممل إلى الاختصار غير المخل هو أسلوب تنفرد به الخطبة عن المحاصرة . إذ الخطبة موجهة لعموم الناس على اختلاف طبقاتهم، وأيضا ليسوا في المحاضرة ملزمين بوجوب الإنصات ولا بلزوم الحضور، وإنما المحاضرة اختيارية، بينما الخطبة يجب فيها الإنصات، فلما وجب عليهم الحضور والإنصات خوطب الإمام بأن يخفف عليهم، وخير الكلام ما قل ودل.

والخطيب في هذا الباب لا يستغني عن أمرين: هما الإخلاص، والتعرف على واقع الناس، فمن شأن الإخلاص أن يجعله صادقا، ويحثه على تبليغ الرسالة وهداية الخلق إلى الله، ويمتعه بالرضا النفسي الذي يهون عليه مجابهة الشدائد، ومكابدة إعراض الناس عن عظاته وتوجيهاته، ويجعله مصرا على الاستمرار حتى يجد من يستمع إليه.

ومن شأن معرفته بالواقع: أن يبني دعوته للإصلاح على الجوانب الواقعية المتمثلة في حياة الناس العامة، وبذلك يقتصد في الجهود التي يمكن صرفها في أمور لا صلة لها بالحياة، ويقتصر على ما تمس إليه الحاجة وتعظم به البلوى، وذلك بأن يفهم الخطيب القضايا والنوازل فهما صالحا وصحيحا، فلا ينحرف التفكر إلى أن يظن ما هو صالح فاسدا، فليس من الإصلاح هدم كل شيء لإقامة بناء جديد، ربما يظهر في النهاية بعد التجارب أنه فاسد بدوره. أما فيما يتعلق بالنزعة الخارجية أو الغزو الخارجي فيمكن معالجة ذلك من عدة أمور، منها : إظهار أن الإسلام مختلف عن الديانات الأخرى بأصوله ونظامه وتشريعه وأخلاقه، لأن العلمانية نبعت – كما هو معلوم – من الفهم لطبيعة الدين النصراني المحرف، فظنوا أن كل دين لا يصلح للحياة، ولذلك يعملون جاهدين حتى يصبح الإسلام غريبا في أوطانه، منكورا بين أهله، معزولا عن الحكم والتشريع، ليبق الإسلام متقوقعا في العلاقة بين المرء وربه هذا في أحسن الأحوال، ومعنى هذا أنهم يريدون من الإسلام أن يكون نسخة من النصرانية في عهد انكماشها، حيث حفل تاريخ الكنيسة الكاثوليكية بمآس ومواقف سلبية، وقفت فيها إلى جوار الجهل ضد العلم، وإلى جوار الاستبداد ضد التحرر، وفرضت الظلم والظلام على المجتمع باسم الدين، لكن، ما ذنب الإسلام حتى يحمل نتائج هذا التاريخ الأسود ويحمل أوزار تاريخ غير تاريخه، لأمة غير أمته.

فمن الأهمية بما كان أن يتكلم الخطيب في هذا الباب عن الإسلام، ويبين حقيقته وصلاحه لكل زمان ومكان، وأنه دين ودنيا، وذلك بالتركيز على الإيمان وترسيخ العقيدة وتقويتها في النفوس، وبالاهتمام بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وخصائصه وحقوقه، وحينما أمرنا ربنا سبحتنه بالاقتداء بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم حفظ لنا سيرته، فسيرته محفوظة، فمهم جدا للخطيب أن يعتني بهذا، لأن الحديث عن السيرة النبوية العطرة له تأثيره البالغ والعجيب على المسلمين، لأن كل المسلمين يحبون نبيهم محمدا صلى الله عليه وسلم ويشعرون بالراحة والانفتاح والسرور حينما يسمعون سيرة نبيهم - السيرة الصحيحة - ثم يعرج الخطيب على بعض الشبهات والقضايا التي تثيرها هؤلاء العلمانيون وبعض الحاقدين على هذا الدين فيسلط عليها الأضواء، مثل قضية العدل، وحقوق المرأة، وحقوق الإنسان، ونحو ذلك، فيؤكد على أن الإسلام يغني عن غيره، وأن المسلمين ليسوا في حاجة إلى استجلاب مذاهب، وإنما هم في حاجة إلى الاستفادة ولا شك من التقدم العلمي والتقني وغير ذلك مما لا يتعارض مع ثوابتنا الدينية.

والخطيب الناجح هو القادر على أن يقول كلمة الإسلام بحكمة مقرونة بالإقناع، وأسلوب معبر عن الصدق والرغبة في النصح، من غير انفعال ولا غلو ولا إساءة، فكلمة الخير تجد صداها في النفوس، وعلينا أن نضيق الخناق على خصوم الإسلام بما نطوقهم به من كلمة حق لا تثيرهم ولا تستفزهم، ومن وسيلة للإقناع تغريهم بالإنصات لكلمة الحق والإذعان لاختيارات الإسلام، فقد يكون الحق معنا، لكن في بعض الأحيان قد لا نحسن أن نشهد لهذا الحق بعرضه على الآخرين بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد يكون الباطل مع غيرنا، لكنه يحسن أن يلبس الباطل لبوس الحق، ويحسن أن يصل بالباطل إلى حيث ينبغي أن يصل الحق، وهنا ينزوي حقنا ويضعف كأنه مغلوب، وينتفخ الباطل وينتفش كأنه غالب، فنعبر عن ألمنا بصورة من صورتين لا ثالث لهما: إما أن نعبر عن ألمنا بصورة سلبية مهزومة، فنزداد عزلة عن المجتمع وعن العالم، وإما أن نعبر عن ألمنا بصورة متشنجة منفعلة، بل صاخبة، بل أحيانا دموية، فنخسر الحق مرة بعد مرة، لأن أهل الأرض سيزدادون حينها بغضا للحق الذي معنا وإصرارا على الباطل الذي معهم.

إذا فلا مصلحة لأمتنا في أن تكون منابر الجمعة منابر صراعات، تعمق مشاعر التفرقة، وتنمي عوامل التمزق، وتسهم في تكوين رواسب سلبية ينعكس أثرها على مسيرة المجتمع الإسلامي، وفي نفس الوقت فإننا نطالب بأن تحترم المشاعر الإسلامية، وأن يعترف لمنبر الجمعة بدوره التوجيهي والإصلاحي بعيدا عن أية وصاية تسيء لدور هذا المنبر في توعية المسلمين بأمور دينهم.

نريد لمنبر الجمعة أن يكون منبر الكلمة الإسلامية، الناصحة المرشدة الموجهة، التي ينصت إليها الجميع حاكمين ومحكومين بثقة واطمئنان، ويجدون في ثناياها قدسية الحق وهيبة الصدق، وما ضاقت نفس بكلمة حق وصدق أبدا إذا جاءت هذه الكلمة محمولة على طبق من إرادة خير في إسداء نصح ويبان حق.

وأخيرا فإن خطيب الجمعة مؤتمن على قدسية رسالة الإسلام، والرسالة الحقة تجد صداها في القلوب المؤمنة نورا يطارد ظلام الغرائز النفسية المتسلطة، فتنقلب النفس في لحظة صفاء روحي من وضع مملوء بالغضب والحقد، والرغبة في العنف والانتقام، إلى نقيض يفيض بالخير والفضيلة والرحمة، ممتنا لناصح بجيل نصحه، مكبرا فيه صدقه وحكمته ( ومن يوت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ).

والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي
جديد المقالات
جديد المقالات
دور الأسرة في انحراف الأولاد - ركــــن الــمــقــــالات
وداعا رمضان - ركــــن الــمــقــــالات
وقفات مع عيد الفطر - ركــــن الــمــقــــالات
فضل صيام الست من شوال - ركــــن الــمــقــــالات

ملاحظة: للتصفح بدون مشاكل المرجو اسخدام جوجل كروم

RSS

Twitter

facebook

Youtube

دخـــول الأعــضـــــاء
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
عدد الزوار
انت الزائر :391632
[يتصفح الموقع حالياً [ 96
الاعضاء :0الزوار :96
تفاصيل المتواجدون
الاحصائيات
لهذا اليوم : 2302
بالامس : 2564
لهذا الأسبوع : 2300
لهذا الشهر : 84580
لهذه السنة : 967956
منذ البدء : 7630986
تاريخ بدء الإحصائيات : 18-3-2011
بـحـث فـي الـمـوقـع
البحث في
شعارنا