رسم القرآن العظيم بين القراء والنحاة

المقال
رسم القرآن العظيم بين القراء والنحاة
4004 زائر
04-04-2011
الشيخ محمد السحابي

رسم القرآن العظيم بين القراء والنحاة

إعتنى الصحابة رضوان الله عليهم عناية فائقة بالقرآن العظيم، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم أثناء نزول الوحي منعهم من أن يكتبوا عنه شيئا غير القرآن، فقد أخرج الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ''لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه[1]''.

وأخرج الحاكم والترمذي عن ابن عباس، قال: ''كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي عليه زمان وهو ينزل عليه السور ذات العدد...فكان إذا نزل الشيء دعا بعض من كان يكتب، فيقول: ''ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا''[2].

وروى البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: ''ادع لي زيدا وليجئ باللوح والدواة والكتف، أو الكتف والدواة، ثم قال اكتب: ''لا يستوي القاعدون''[3] إلخ". وكانت الكتابة متفرقة في اللخاف والأكتاف والعسب والرقاع وهي الأصل في كتابة المصاحف، لأنها انتسخت منها.

ويعود الشيخ السحابي لذكر بعض الأمور المتعلقة بجمع القرآن على عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، ويقول: ''والأمر الخامس: أن عدد المصاحف التي نسخها عثمان رضي الله عنه، و أرسلها إلى الأمصار، اختلف في عدد نسخها العلماء: ففي قول أنها أربعة، وفي قول أنها سبعة، والثاني هو الذي بقي عند عثمان رضي الله، ويسمى ب"المصحف الإمام"، لأنه هو الذي نسخ منه المصاحف الأخرى. وقد رجح الحافظ أبو عمرو القول الأول: بعد ما ذكر أنها سبعة، ورجح مكي بن أبي طالب القيسي القول أنها سبعة فقال في الإبانة: ''فلما نسخوا المصحف كتبوه في سبع نسخ، وقيل في خمسة ورواة الأول أكثر''[4].

وقد أشار الإمام الشاطبي في ''العقيلة'' إلى أنها سبعة وقال:


وسار في نسخ منها مع المدنـي **** كوف وشام وبصر تـملأ البصـــرا

وقيل مكة والبـحرين مع يمـــــن **** ضاعت بها نسخ في نشرها قُطُـرا


ولما وزعها عثمان رضي الله عنه على الأمصار أرسل مع كل مصحف واحدا يقرئ به الناس حتى يأخذوا عنه مشافهة، سواء في هجائه أو رسمه أو أدائه، بالتلقي والرواية، وهذا دليل واضح أن القرآن لا يؤخذ من المصاحف مباشرة، بل لابد من أخذه عن الأشياخ أهل العلم، وهذا عمل تواتر عن الأمة وحصل عليه الإجماع''. ويزيد الشيخ السحابي شارحا: ''وذلك أن المصحف فيه حروف مرسومة لا يلفظ بها، وحروف ثابتة في اللفظ محذوفة في الرسم، زد على هذا أن طريقة الأداء كل ذلك لا يؤخذ إلا من أفواه العلماء. وكتبوا هذه المصاحف بهذا الشكل متفاوتة في الإثبات والحذف كما سبق بيانه والزيادة والنقص إلى غير ذلك من الاختلاف بينها، وكانوا يقصدون اشتمالها على الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، فوزعوا الحروف التي لا يحتملها الرسم الواحد على المصاحف، ولم يجعلوها في مصحف واحد، حتى لا يتوهم أن اللفظ نزل مكررا بقراءة واحدة. واحتاطوا لذلك، فكتبوا المصاحف متعددة.. وقد يحتج بالرسم على صحة القراءة، وإن كانت القراءة هي حجة أيضا، وذلك إذا رد بعض النحاة قراءة ما أو قالوا "لا تصح"، وربما قالوا هي لحن، فيحتج لها أنها مرسومة في المصحف كذلك. ويقدم الشيخ السحابي مثالا على الفارق بين النحاة والقراء في رسم المصاحف، ويقول: ''ذلك قراءة ابن عامر قوله تعالى (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ] سورة الأنعام، فقال بعض النحاة هي لحن، لأن فيها فصل بين المضاف والمضاف إليه بأجنبي وهو لفظ ''أولادهم''، فقالوا هذا لا يجوز إلا في الظرف، لأن العرب توسعت في الظروف ما لم تتوسع في غيرها، فردوا هذه القراءة وقراءات أخرى بمثل هذا التحكم، وهي قراءة صحيحة من السبع ومقروء بها في الشام متواترة عنهم، وأن ابن عامر من صغار التابعين، وهو أحد القراء السبعة، وقد قرأ على المغيرة بن شهاب الذي بعثه عثمان رضي الله عنه بالمصحف لأهل الشام وقد قرأ ابن عامر قبل المغيرة على أبي الدرداء رضي الله عنه، وقد قيل إنه قرأ على عثمان نفسه، ولكن الراجح أنه لم يقرأ عليه.

وأما قراءته على أبي الدرداء وعلى المغيرة فصحيحتان، وقد جلس للإقراء بعد موت أبي الدرداء، وأقرأ أهل الشام زمانا بهذه القراءة، ولا شك أنه قرأ هذه الآية على أبي الدرداء وعلى المغيرة أيضا، وقد قرأها مع أهل الشام، وكان في عصره من الأئمة في هذه القراءة، ولم يحصل من أحد منهم أنه أنكرها، أعني الآية التي في سورة الأنعام..

فظهر أن من عاب هذه القراءة كلامه مردود، لأنه قاسها على بعض القواعد النحوية، فظهر له أنها لم تندرج فيها فأنكرها من أجل ذلك، ولو أن كل واحد اقتصر على علم ما عنده ولم يتعده إلى ما لا علم له فيه لأراح نفسه وأراح غيره.

وهذه الآية حصل التواتر فيها من صحابة وتابعين وأئمة أهل الشام، فقد جاءت أيضا مرسومة في مصاحفهم موافقة لهذه القراءة، فرسمت كلمة ''شركائهم'' هكذا بالياء التي هي صورة الهمزة المكسورة فدل على إضافتها لكلمة ''قتل'' وإن فصل بينهما بأجنبي، وهي كلمة ''أولدهم''، كما رسمت في قراءة الجماعة بالواو أي ''شركاؤهم''، لأنها مرفوعة على الفاعلية، فالواو صورة للهمز.

ويذكر الشيخ السحابي أن قواعد النحو جاءت بعد القراءات بزمان، بل هي مأخوذة منها ومن السنن، كما أنها مأخوذة من كلام العرب، وقد يفوت القواعد أشياء تكون خارجة عنها لا تنطوي تحتها، وهذا موجود في كثير في كلام العرب كما قال المقري :''ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله''. وقد نقل العلامة أبو شامة عن ابن جني في كتاب الخصائص له قوله :بأن ما يرد عن العربي مخالفا للجمهور إذا اتفق شيء من ذلك نظر في حال العرب وفي ما جاء به فإن كان فصيحا وكان ما أورده مما يقبله القياس فإن الأولى أن يحسن به، وقد يكون ذلك وقع إليه من لغة قديمة قد طال عصرها وعفا رسمها .أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد بن أبي الحجاج عن أبي خليف الفضل بن الحُباب قال: قال بن عون عن بن سيرين قال عمر بن الخطاب: كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه فجاء الأسلام فتشاغلت عنه العرب بالجهاد وغزو فارس والروم ولهيت عن الشعر فلم يئُوبوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب وألفوا ذلك، وقد هلك من هلك من العرب بالموت والقتل فحفظوا أقل ذلك وذهب عنهم كثيره. وحدثنا أبو بكر عن أبي خليفة قال: قال يونس بن حبيب قال أبو عمرو بن العلاء: ما انتهي إليكم مما قالت العرب إلا أقله ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير. قال أبو الفتح: إذا كان الأمر كذلك لم يقطع على الفصيح يسمع منه ما يخالف الجمهور بالخطإ ما وجد طريقا إلى تقبل ما يورده إذا كان القياس يعاضده. قال العلامة أبو شامة قلت: وقد بينا وجه القياس في هذه القراءة وقد جاء نقلها من طريق صحيح ولله التوفيق"[6].

وينبه الشيخ السحابي إلى أمر وهو: ''أن القراءة إذا خالفت بعض القواعد اللغوية، فالمعتمد في مثل هذا على القراءة لا على ما رآه بعض النحاة، وهذا أمر مقرر عند أئمة العلم، وذلك أن القراءة مأخوذة، وما قرأ أحد من الأئمة على حسب ما رآه فقط، وإنما هو التلقي والرواية، فأين هذا من رأي ارتآه بعض النحاة؟!.

وقد أتى الإمام الشاطبي بحجج من كلام بعض العرب تؤيد وجه هذه القراءة، كما احتج بها ابن مالك، صاحب الألفية في ''الكافية''، عندما تكلم عن جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف، أي بأجنبي، فقال رحمه الله:


وعمدتي قراءة ابن عامر ***** وكم لها من عاضد وناصر[7]


وقد يطول الكلام في مثل هذا، ولكن يكفي التنبيه الذي أشرنا إليه.


[1] صحيح مسلم: كتاب الرقائق والزهد ـ باب التثبت في الحديث ـ رقم: 7702

[2] المستدرك على الصحيحن: كتاب التفسير ـ رقم: 2875 وسنن الترمذي: 3011

[3] صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآ، ـ رقم: 4606 / والآية التي في الحديث من سورة النساء: 95

[4] الإبانة لمكي بن أبي طالب القيسي،ص65، وفتح المنان الورقة:10 و11.

[5] سورة الأنعام الآية: 137

[6] إبراز المعاني لأبي شامة ص466.

[7] الكافية

   طباعة 
6 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
04-04-2011 (غير مسجل)

عبد الله

جزى الله عنا بالخيرات أئمة نقلوا لنا القرآن عذبا وسلسلا
[ 1 ]
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي
جديد المقالات
جديد المقالات
دور الأسرة في انحراف الأولاد - ركــــن الــمــقــــالات
وداعا رمضان - ركــــن الــمــقــــالات
وقفات مع عيد الفطر - ركــــن الــمــقــــالات

ملاحظة: للتصفح بدون مشاكل المرجو اسخدام جوجل كروم

RSS

Twitter

facebook

Youtube

دخـــول الأعــضـــــاء
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
عدد الزوار
انت الزائر :391633
[يتصفح الموقع حالياً [ 95
الاعضاء :0الزوار :95
تفاصيل المتواجدون
الاحصائيات
لهذا اليوم : 2309
بالامس : 2564
لهذا الأسبوع : 2307
لهذا الشهر : 84587
لهذه السنة : 967963
منذ البدء : 7630993
تاريخ بدء الإحصائيات : 18-3-2011
بـحـث فـي الـمـوقـع
البحث في
شعارنا