الإمالة عند القراء واللغويين

المقال
الإمالة عند القراء واللغويين
4173 زائر
04-12-2010
د/عبد الهادي احميتو

الإمالة عند القراء واللغويين

موضوع الإمالة والفتح استأثر باهتمام اللغويين والقراء على السواء لدقة مباحثه وسعة ميدانه، لهذا تعددت فيه المؤلفات فألف فيه مكي كما تقدم "كتاب الإمالة" وأبو عمرو الداني كتاب "الموضح في الفتح والإمالة" وكتاب الفتح والإمالة لأبي عمرو بن العلاء"، وابن القاصح "كتاب قرة العين في الفتح والإمالة وبين اللفظين "وسواهم من الأئمة.

قال أبو عمرو الداني في "الموضح": "اعلموا أحسن الله إرشادكم أن الفتح والإمالة فيما اختلفت القراءة فيه لغتان مشهورتان مستعملتان فاشيتان على ألسنة الفصحاء من العرب الذين نزل القرءان بلغتهم، فالفتح لغة أهل الحجاز، والإمالة لغة عامة أهل نجد من تميم وأسد وقيس قال:

"والفتح عند علمائنا الأصل، والإمالة فرع داخل عليه، وذلك بدلائل خمسة..ثم ساقها( ).

قال المتتوري: "ومعنى الفتح أن تخرج الألف من مخرجها من غير أن تشربها صوت الياء ولا صوت الواو، وكذلك الفتحة من غير أن تشربها صوت الكسرة ولا صوت الضمة.

ومعنى الإمالة أن تشرب الألف صوت الياء والفتحة صوت الكسرة والضمة صوت الكسرة"( ).

وقال ابن الباذش في "الإقناع": "معنى الإمالة أن، تنتحي بالفتحة نحو الكسرة انتحاء خفيفا، كأنه واسطة بين الفتحة والكسرة، فتميل الألف من أجل ذلك نحو الياء، ولا تستعلي كما كنت تستعلي قبل إمالتك الفتحة قبلها نحو الكسرة، والغرض بها أن يتشابه الصوت مكانها ولا يتباين"( ).

قال أبو عمرو الحافظ بعد ذكر الأدلة على أصالة الفتح وفرعية الإمالة:

"وإنما عدل عنه من اختار الإمالة من القراء والعرب رغبة في أن يتناسب الصوت بمكانها ولا يختلف، فيخف على اللسان ويسهل في النطق( )، فلذلك نحا بالفتحة نحو الكسرة فمالت الألف التي بعدها نحو الياء ولا بد في الألف الممالة من هذا، وذلك أنها صوت لا معتمد لها في الفم( )، فلا تكون أبدا إلا تابعة للحركة التي قبلها تدبرها، فلذلك إذا أريد تقريبها من الياء بالإمالة تخفيفا وتسهيلا لزم أن تقرب الفتحة التي قبلها من الكسرة، إذ الكسرة من الياء، فتقوى بذلك على إمالة الألف بعدها"( ).

وذهب مكي إلى نحو من هذا فقال في :"الرعاية" : "ومعنى الإمالة : أن تنحو بها نحو الياء، ولا تقدر على ذلك حتى تنحو بالفتحة التي قبلها نحو الكسرة، فإذا قلت "في دارهم" أملت الألف لأجل كسرة الراء، وأملت فتحة الدال لأجل إمالة الألف، فالألف وهاء التأنيث( ) يمالان في أنفسهما، ويمال ما قبلهما من أجلهما، وتمال هي من أجل غيرها نحو "ترى" و"اشترى" "فافهمه"( ).

أنواع الإمالة وألقابها :

ثم إن الإمالة على ضربين متوسطة وشديدة، قال أبو عمرو : والقراء تستعملهما معا.

فالإمالة المتوسطة حقها أن يوتى بالحرف بين الفتح المتوسط وبين الإمالة الشديدة.

والإمالة الشديدة حقها أن تقرب الفتحة من الكسرة، والألف الساكنة من الياء من غير قلب خالص ولا إشباع مبالغ" قال : "والمصنفون من القراء المتقدمين وغيرهم يعبرون عن هذين الضربين من الممال "بالكسر" مجازا واتساعا، كما يعبرون عن الفتح ب"التفخيم"، ويعبرون عنهما ب"البطح" و"الإضجاع"، وذلك كله حسن مستعمل"( ).

وقال ابن أبي الأحوص( ) في "الترشيد":

"والإمالة على ضربين: شديدة وهي المسماة بـ"محضة"و"خالصة" وكبرى"وضغيفة وهي المسماة غير محضة" و"بين اللفظين" "وبين بين" و"غير خالصة" و"صغرى"( ).

قال المنتوري: "ويعبر أيضا عن "الإمالة المحضة" بـ"الإضجاع" و"البطح" "والكسر" "والياء"وإتمام الكسر"، وعن الإمالة بين بين وبالإمالة اللطيفة وبين الإمالة والفتح" "وبين الفتح والكسر" و"التقليل:"و"التوسط" و"الوسط" و"الترقيق"( ).

أسباب الإمالة :

وقد اختلف الأئمة في تحديد الأسباب التي تجلب الإمالة عند من يميل:

فقال مكي في الكشف: "اعلم أن العلل التي توجبها الإمالة ثلاث: وهي الكسرة، وما أميل ليدل على أصله، والإمالة للإمالة"( ).

وقال أبو جعفر بن الباذش: "وللإمالة أسباب توجيها قد حصرها أبو بكر بن السراج( ) في "أصوله" وفيما نقل أبو علي( ) عنه إلى ستة أسباب، وهي كسرة تكون قبل الألف أو بعدها، وياء، وألف منقلبة عن الياء، وألف مشبهة بالألف المنقلبة عن الياء، وكسرة تعرض في بعض الأحوال، وإمالة لامالة"( ).

وقال أبو عمرو الداني: "والأسباب التي تجوز معها الإمالة سبعة: الكسرة والياء والإنقلاب من الياء والمشبهة بالمنقلب من الياء والإمالة للإمالة والألف التي ينكسر ما قبلها أو ما بعدها في بعض الأحوال والألف المتطرفة فيما كان على أكثر من ثلاثة أحرف"( ).

وبلغ بها الحافظ ابن الجزري اثني عشر سببا بعد أن حكى عن القراء أنهم قالوا عشرة ترجع إلى شيئين : أحدهما الكسرة، والثاني الياء..إلخ، وقد فصل هذه الأسباب بأمثلتها( ).

ومن تأمل هذه التقسيمات وجدها لا تكاد تخرج عن القسمة الثلاثية التي ذهب إليها مكي، ولكن تحديد سمات كل نوع والتمثيل له اقتضى كثرة التفريع والتنويع.

قال أبو عمرو الداني في "الموضح" : "والإمالة لا شك من "الأحرف السبعة" و"من لحون العرب وأصواتها، لأن لحونها وأصواتها مذاهبها وطباعها، فقد ثبت بها الخبر وصحت القراءة بها عن رسول الله كما ثبت الخبر بالفتح وصحت القراءة به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"( ).

هذا وإن الرواية الصحيحة الثابتة هي عماد ما اختاره كل قارئ في مذهبه في الفتح والإمالة، قال أبو الحسن السخاوي : "وإنما قرأ بها من قرأ لما رواه ونقله، ألا ترى أنهم يميلون الشيء في موضع ويفتحونه بعينه في موضع آخر"( ).

وقال مكي بن أبي طالب عند ذكر الألف الهوائي :

إنما هو حرف اتسع مخرجه في هواء الفم، ولذلك قيل له "هوائي" و"هاو" ..ولا تقع الألف إلا ساكنة أبدا، ومفتوحا ما قبلها أبدا، ولا يبتدأ بها أبدا، ولا تكون إلا بعد حرف متحرك أبدا، فهي متفردة بأحوال ليست لغيرها..قال :

"فيجب على القارئ أن يعرف أحوالها وصفاتها، وإن يلفظ بها حيث وقعت غير مفخمة( ) ولا ممالة، ولا يميلها إلا برواية، ولا يغلظ اللفظ بها إلا برواية، ويلزم في لفظها التوسط أبدا حتى ترده الرواية إلى إمالة أو تغليظ، وهذا مذكور في كتب اختلاف القراء في الإمالة والفتح وما هو بين اللفظين"( ).

فالمدار في الفتح والإمالة عند من قرأ بشيء من ذلك إنما هو على الرواية والنقل، ولذلك لا يتجاوز بالمفتوح ولا بالممال عن مقداره الذي تواترت القراءة به وجرى الأخذ عند أهل الاداء عليه لما يؤدي إليه من اللحن والتحريف. قال الإمام أبو إسحاق الجعبري في "الكنز" : "والألف تنقسم إلى لفظ مستقيم وهو الفتح، وهو مرقق على كل حال، وتفخيمه لحن معدود من لغة الأعاجم، وإلى معوج، ويسمى إمالة وإضجاعا وليا وبطحا.

"وهو قسمان : ما ينحى به إلى حد لو زاد به صار ياء، ويسمى إمالة محضة وكبرى، وهي المفهومة عند الإطلاق، وإلى ما ينحى به إلى لفظ بين الفتح والمحضة، ويسمى صغرى بالنسبة إلى الكبرى وبين بين وبين اللفظين أي بين الفتح والمحضة"( ).

الفصل الأول:

من مظاهر الانحراف في النطق

بالإمالة كسرة خالصة

وأما العدول بالألف إلى الكسر الخالص فلا أعلم أحدا من أهل الأداء قرأ به أو استجازه، بل وجدتهم يحذرون منه ويمعنون في تحديد كيفية إمالة اللفظ بالألف مخافة الإسراف فيه والإفراط حتى يتحول من الإمالة إلى الكسر، سواء تعلق ذلك بالإمالة الكبرى أم بالإمالة الصغرى، وشناعة ذلك في تعلقه بالصغرى أولى وأحرى.

وقد رأينا الإمام الجعبري يذكر في الكبرى أن ينحى بالألف إلى جهة الياء "إلى حد لو زاد صار ياء" وهذا عين ما قاله أبو عمرو الداني في الكبرى وهو "أن تقرب الفتحة من الكسرة والألف الساكنة من الياء من غير قلب خالص ولا إشباع مبالغ"( ).

ونبه الشيخ أبو وكيل ميمون الفخار في تحفته على امتناع الكسر المحض سواء لأهل الإمالة الكبرى أو الصغرى، قال :

"ذا الحد يلفى للجميع فرضا

لكن أهـــل المحـــض جزء الكسـر لأهل "تقلـــيل" وأهل "محضـــى"

أكــــثر، ذو "التقلــيل" عكــس نادر

ولم أرى( ) أخلاص قلب ( ) في سنـد ولا أظـــــن أن قــــرا به أحــــــد( )

ولعل الشيخ أبا وكيل بإثارته لهذه القضية كان يعالج أمرا واقعا بدأت بوادره تنذر بالانتشار والاستفحال.

ثم ترامت الحال بما شجبه الشيخ المذكور حتى أمسى من الأوضاع المشينة الشائعة التي عمت وطمت في البلاد المغربية حتى أخذ المقلدون ينكرون على من ينكرهما ويعترض عليهما كما رأينا في قضية التسهيل.

وقد عم بها الأخذ وطم في الجنوب المغربي وخاصة في سوس منذ أوائل المائة الثالثة عشرة وربما قبل ذلك كما رأينا في تنبيه أبي وكيل الفخار(ت 816)، وحذر العلماء من الوقوع فيها قديما وحديثا حتى كان منهم من منع من القراءة بالإمالة مطلقا سدا للذريعة وقطعا لدابر الفتنة بها.

مواقف العلماء من إبدال الألف الممالة ياء خالصة وما ثار حوله :

لعلنا إذا عدنا إلى مؤلفات الأئمة التي تعرضت للإمالة لا نعدم فيها تحذيرا للقارئ من الإمعان فيها إمعانا يتجاوز بها القدر المرسوم لها سواء كانت إمالة صغرى أم كبرى، ولكن تقويم الأخذ بها في ضوء الواقع العملي لم يكن يومئذ يطرح إشكالا لتوافر الحذق بهذه العلوم الأدائية في العصور الأولى واتساع الرحلة في هذا الشأن إلى أهل الحذق به والرسوخ فيه، فكانت المشافهة به متأتية على الوجوه المرضية التي تلقاها الخلف عن السلف.

ثم ضرب الزمان من ضربه فبدأت هذه العلوم في التراجع، وهكذا لا تطل علينا المائة العاشرة حتى نجد الميزان يضطرب وتميل الكفة ميلا يكاد يكون كليا إلى التطفيف والخسران المبين.

وكانت قضية الإمالة إحدى هذه الهنات التي برزت بروزا واضحا في التلاوة المغربية وخاصة في الجنوب المغربي في بلاد سوس وفي جهات أخرى من المغرب فتفاقم الأمر بها وازداد سواءا بالرغم مما بذل في مقاومتها ووقفها من جهود.

موقف الشيخ أبي العلاء البدراوي بفاس (ت 1257هـ)

تعرض الشيخ أبو العلاء إدريس بن عبد الله البدراوي لقضية الإمالة في كتابه "التوضيح والبيان" الذي فرغ من تأليفه كما ذكر في آخره عام 1231هـ فقال في سياق حديثه عن أحكام الألف :

"ويجب على القارئ أن لا يخفض صوته بالألف حتى تدخله الإمالة في مذهب من لا يميله، لأنه حرف خفي شديد الخفاء لا تساع مخرجه" قال :

"ويتأكد في حق القارئ أيضا أن يتحفظ في المواضع التي تثبت فيها إمالة الألف عن أن ينقلب في لفظه ياء خالصة كما يفعله جل الناس، وذلك من التحريف البين والله أعلم"( ).

فقول الشيخ البدراوي "كما يفعله جل الناس" يدل على ما قلناه من شيوع هذا الاستعمال لهذا العهد، وأحسب أنه لو كان فيه أدنى شبهة جواز لما تردد المتسامحون في إدراجه فيما جرى به العمل.

ولكونه كذلك فقد ظل علماء الفن ينكرونه على العوام ويعتبرونه من الأوضاع الشائنة التي تسللت إلى التلاوة المغربية في جملة ما تسلل إليها بسبب التفريط في الالتزام التام بقواعد التجويد وعلومه( ).

وهذا القارئ الصحراوي الشيخ علي بن أف الشنقيطي المعروف بـ"عال ولد أف "يذكر هذا الإستعمال المزري في جملة ما انتقده في أرجوزته الآنفة الذكر التي انتقد فيها إبدال همزة بين بين هاء خالصة فيقول :

"وقرأوا إمالة كبراها

لذاك لم يجز لأهل البلد

أن يقرأوا "طه" بقول الأزرق صغرى وذي الصغرى بما خلاها

قبيل أخذهم لقار مهتد

إذ شيخه القارئ بالصغرى اتق( ).

فها هو الشيخ عال ينتقد هذا التخليط في تلاوة أهل بلده بين الكبرى والصغرى ويهيب بأهل البلد أن يتركوا القراءة بالإمالة للأزرق في "طه" وهي الإمالة المحضة الوحيدة في طريقه كما سيأتي، حتى يأخذوا القراءة على وجهها من قارئ مهتد إن وجدوه.

مواقف علماء سوس وقرائها :

ولعل العراك حول قضية النطق بالإمالة ياء خالصة لم يبلغ في جهة من جهات المغرب ما بلغه في سوس في أثناء المائة الثالثة عشرة وما بعدها، حيث نجد عددا من مشاهير العلماء والقراء قد تدافعوا إلى معمعته بين منكر على أهل هذا الإستعمال يدعو إلى العودة إلى القراءة بالفتح فقط، وبين مدافع عن الإمالة ولزوم الأخذ بها لثبوتها في الرواية التي عليها الأخذ في التلاوة المغربية بقطع النظر عن التمكن من أدائها على الوجه المطلوب أو عدمه.

1-موقف الشيخ عبد الرحمن الجشتيمي :

كان للشيخ عبد الرحمن بن عبد الله الجشتيمي (1185-1269) شفوف كبير على أهل زمنه بسوس، وقد عده الشيخ محمد المختار السوسي في طليعة علماء "التمليين" "من الأسرة الجشتيمية البكرية، وأبرز عالم من علماء جزولة في أواسط القرن الماضي، "وذكر عددا من شيوخه وقال : "توجه إلى التدريس في مدرسة "أبي النذر" وفي مدرسة" أكشتيم" ببلده فدرس وخرج وأفتى وقضى " في تفاصيل واسعة ذكرها عنه وعن عدد من أهل بيته.

ويهمنا منه هنا أنه كان في جملة من تصدى لقراء زمنه بالإنكار في قضية الإمالة، ولعله ألف في ذلك وحاضر وبقي لنا من ذلك هذه القطعة التي نظمها وسماها" نصيحة للقراء والمقرئين" وهذا نصها:

أمغشر من يقرا القرآن ومن يقري فديتكم راعوا الذي حق للذكر

من إجلال في تحسين ترتيله مع الخضوع له والفكر في ءاياته الغر

وإياكم قصرا لممدوده وأن

وأن تكسروا الحرف الممال بل إلزموا

فقد كان في القراء مختار فتحه

ولا تحقروا تغيير حرف تعمدا

نسال إله العرش توفيقنا وأن تمدوا الذي قد كان أنزل بالقصر

له الفتح إذ علم الإمالة في القبر

ولم يك من يقرا بالإخلاص للكسر

فقد عده "القاضي عياض" من الكفر( )

يمن بجبر الكسر والغفر للوزر( ).

إنها دعوة إلى هجران الإمالة هجرانا كليا والعودة بالقراءة إلى الفتح، إذ لم يعد هناك مطمع في تصحيح اللفظ بها، فقد مات أهل الإتقان، وذخلت معهم معارفهم القبور، ثم إن الذي يقرأ بالفتح الخالص يجد له على الأقل سلفا من أئمة القراء أخذوا به وانتظمت اختياراتهم عليه، وأما القراءة بإخلاص الكسر- يعني في الألف الممال فليس للأخذ بها سند ولا سلف يتعلل به ويتبع سننه وسبيله.

2-موقف الشيخ محمد بن العربي الأدوزي الباعقيلي (1249-1323).

قاد الشيخ محمد بن العربي بن إبراهيم الأدوزري البعقيلي رحا هذه المعركة ضد عدد من مشاهير قراء زمنه، وكان-كما وصفه العلامة محمد المختار السوسي مؤرخ هذه الجهة- خلفا لوالده في "المدرسة الأدوزية بجزولة الجنوبية" وفيها مائتان من التلاميذ فيما يقوله أحدهم من المعمرين، فقام بعبئها بمنكب فحل قرم لا يقذع أنفه، كان إماما في الفنون، ونبراسا في المعضلات، وصارما في البدع، وأريحيا فكها في الآداب، وجبلا في السنة..ألف خمسة وعشرين مؤلفا في النحو والفقه والبيان والسيرة وغيرها، وذلك ما فاق به معاصريه السوسيين…

وأما ديانته وجرأته في الحق فمثل يضرب، فما نزلت حادثة خولف فيها الحق في رأيه حتى نراه يتصدى لردها بلسانه وقلمه والمناداة في الأسواق على رؤوس الناس، وكانت "ولتيتة" إلى "آيت باعمران" أذ نا لما يقول"( ).

وذكر له في "سوس العالمة" "ثلاثة وثلاثين كتابا ما بين نظم ونثر وتأليف وشرح عليه في مختلف العلوم، وذكر من جملتها الكتاب الذي يعنينا هنا في قضية الإمالة وهو كتابه "حكم اللحن في القرءان"( ).

وأشار السوسي في ترجمة المقرئ المشهور "الحاج علي بو الوجوه البعقيلي إلى أنه كان السبب في تأليفه لهذا الكتاب، وهذا يكشف لنا عن جانب من جوانب هذه المعركة وعن طرف من أطرافها الممثلين لطبقة القراء الذين ثارت ثائرة الشيخ ابن العربي عليهم حتى ألف في نقض مذاهبهم، ومنع من القراءة بالإمالة بالمرة سدا للذريعة كما تقدم وقطعا لدابر هذه الفتنة التي عمت منطقة سوس بكاملها.

يقول السوسي في ترجمة أبي الوجوه المذكور :

"تخرج ب"أنجار"( )، ثم تصدى في بعقيلة وسملالة وآيت صواب لنشر القراءات…وهو الذي ثاوره ابن العربي الأدوزي في وجه إظهار الكسرة في الإمالة، فينادي به وبأمثاله في الأسواق بأنهم يمرقون في تلاوة لقرآن، وأنه لا يصلى وراءهم، وهو السبب حتى ألف الاستاذ المذكور مؤلفا في لحن القرءان، توفي عن سن عالية بعد 1340هـ، درس في "البومروانية" وفي "الأفاوزورية"( ).

رسالة في الموضوع إلى الشيخ ابن العربي الأدوزي :

ولقد وقفت على رسالة في الموضوع ببعض الخزائن الخاصة بسوس موجهة إلى الشيخ محمد بن العربي الأدوزي من السيد عبد الرحمن من تيفر سين بسوس جاء فيها قوله :

"محبنا الأرض وخليلنا الأصفى، العلامة سيدي محمد بن العربي، عليكم السلام ورحمة الله وبركاته-…فالغرض الأهم من سيدي إرسال الكتاب لحامله أولا، وثانيا جوابكم الشافي ونصكم الكافي عن مسألة "الإمالة"..لأن هذا الأمر طالما أشكل علي، وقد كان أبي- رحمه الله- ينهاني ويزجرني ويغلظ علي القول في صغري عند إبدالي الألف بالياء في سورة "سبح" في "فسوى" و"فهدى" وما أشبه ذلك.

وسبب الإشكال في ذلك أن المعنى يتغير بذلك، كقوله تعالى "مسمى" مثلا "والنار" والجار".

وقد استفدنا من جوابكم أن الإمالة متعذرة، وأن القراءة غير جائزة بها، فإذا تعذرت وجب الرجوع إلى الأصل وهو الأصل، واحتجنا إلى دليل، فإذا وجدتم على ذلك دليلا واضحا ونصا صريحا فـأعلمنا بذلك..والسلام من قصير الباع السائل للإفادة: عبد الرحمن من( ) تيفرسين".

إن تدبر هذه الرسالة يدلنا على أن موقف العلماء من هذه القضية وإن كان مناوئا لأصحاب الكسر الخالص، فإنه أيضا ليس موافقا لما ذهب إليه الشيخ ابن العربي من ترك الإمالة بالمرة لتعذر النطق بها على وجهها كما ذكره في هذه الرسالة. كما يدل قوله فيها "وقد استفدنا من جوابكم أن الإمالة متعذرة" على أن السائل سبق له أن راسله في ذلك وسبق للشيخ أن أجابه بما لم يشف عنده غليلا، ولذلك أعاد الكرة يطالبه بدعم دعوته بما يشهد لها من دليل واضح ونص صريح، وهذه الرسالة على وجازتها تعطينا صورة عن المستوى الذي عولجت فيه المسألة من جهة البحث والتمحيص، وأنها تحولت إلى موضوع شاغل حاول فيه كل فريق أن يدعم موقفه بما يشهد له ويزكيه.

إلا أن الأمر لم يؤخذ فيما يبدو بعين الجد أو ينظر إليه بروح الإنصاف من لدن كبار المقرئين الذين ربما استشعروا نوعا من الأنفة من الاعتراض عليهم، الأمر الذي زاد في وقود المعركة حتى تحولت إلى ما حكاه السوسي من المناداة على المخالفين في الأسواق وإصدار الفتاوي ببطلان الصلاة خلفهم لمروقهم في تلاوة القرآن كما قدمنا.

ولعلنا لو أتيح لنا الوقوف على أكثر مما وفقنا عليه من آثار هذه الخصوصة وحصادها العلمي لوجدنا سيلا من الرسائل والمؤلفات والمناظرات، ولعل من تتبع ذلك على وجه الخصوص في خزائن مخطوطات هذه الجهة سيقف منه على جانب كبير.

وقد وفقت على إشارة في بعض التراجم في "المعسول" على ما يدل على أن القضية ظلت قائمة لم تحسم، فقد ذكر السوسي- رحمه الله- في ترجمة القاضي السيد موسى بن العربي الرسموكي ( 1361هـ) أن له جوابا عن سؤال حول جعل الإمالة بإخلاص الكسر، ولعل السوسي قد وقف عليه لأنه قال بعد ما تقدم: "يراجع فهو مفيد"( ).

هذا وإن هذه الجهود إنما آتت أكلا محدودا في صرف الناس عما ألفوه بعد أن تمكن في ساحة الإقراء تمكنا بعيدا لا نزال نسمع بقاياه في ألفاظ السوسيين بكلمات معينة منها ما يقرأ لورش بالإمالة الصغرى كالكافرين وكافرين وما يقرأ له بالكبرى وهو الهاء من "طه"، إلا قليلا ممن راجع الصواب وأقلع عما نشأ عليه منذ أن دخل الكتاب.

الفصل الثاني:

مذهب ورش في الإمالة من طريق أبي يعقوب الأزرق

لورش من طريق أبي يعقوب الأزرق مذاهب في الإمالة والفتح تقوم على أصول ثابتة قام علماء القراءة والأداء باستقرائها وافق فيها بعض الرواة عن ورش كأبي الأزهر عبد الصمد العتقي، وخالف بعضهم كأبي بكر الأصبهاني الذي اختص بفتح كل ما أماله الأزرق وعبد الصمد كما قال أبو عبد الله الرحماني في "تبصرة الإخوان في مقرأ الأصبهان" :

"وافتح للأصبهاني كل ما ترى من الإمالة وكيف ظهرا( )

وقال غيره :

ليـست للاصــــــــبهاني من إمالة في ســــائر الذكر فخـــذ إفادة.( )

يـتـبـع...
بقلم: الشيخ عبد الهادي احميتو
   طباعة 
1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
روابط ذات صلة
جديد المقالات
جديد المقالات
دور الأسرة في انحراف الأولاد - ركــــن الــمــقــــالات
وداعا رمضان - ركــــن الــمــقــــالات
وقفات مع عيد الفطر - ركــــن الــمــقــــالات

ملاحظة: للتصفح بدون مشاكل المرجو اسخدام جوجل كروم

RSS

Twitter

facebook

Youtube

دخـــول الأعــضـــــاء
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
عدد الزوار
انت الزائر :393762
[يتصفح الموقع حالياً [ 45
الاعضاء :0الزوار :45
تفاصيل المتواجدون
الاحصائيات
لهذا اليوم : 1620
بالامس : 1553
لهذا الأسبوع : 12106
لهذا الشهر : 63612
لهذه السنة : 1054891
منذ البدء : 7717970
تاريخ بدء الإحصائيات : 18-3-2011
بـحـث فـي الـمـوقـع
البحث في
شعارنا