ثبوت القراءات عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتاريخها

المقال
ثبوت القراءات عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتاريخها
4373 زائر
31-03-2013
مجلة كنوز الفرقان

ثبوت القراءات

عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتاريخها


جبريل أول معلم للتجويد:

أول من علم التجويد جبريل عليه السلام؛ علمه النبي -صلى الله عليه وسلم-.

«في شرح البخاري للبرماوي في معنى مدارسة جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- أن معناه تعليمه مخارج الحروف وكيفية النطق بها». وكذا قال الكرماني.

وعبارته «وفائدة درس جبريل، تعليم الرسول تجويد لفظه، وتصحيح إخراج الحروف من مخارجها، وليكون سنة في حق الأمة، لتجويد التلاميذ على شيوخ قراءتهم». وأول من أفرده بالتأليف موسى بن عبيد الله بن خاقان الخاقاني البغدادي المتوفى سنة 325هـ.

وعده جماعة من فروع العربية، وجماعة من فروع القراءة. والظاهر أنه في الأصل لتصحيح النطق العربي، ولما اختلط العرب بغيرهم وكانت المحافظة على تصحيح النطق بلفظ القرآن آكد منها باللفظ العربي، اضطر القراء لتدوينه بنوع خاص.

ثبوت القراءات عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتاريخها:

الدليل على أن القراءات السبع وردت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونزل بها جبريل عليه السلام: ورودها إلينا بالأسانيد الصحيحة عن أئمة القراءة المتصلة أسانيدهم بالنبي -صلى الله عليه وسلم-. وعلماء القراءات في جميع الأعصار والأمصار يشهدون بذلك في مؤلفاتهم، وفي إجازاتهم لتلامذتهم، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ بها على جبريل عليه السلام.

والقراءات السبع المعروفة اليوم المنسوبة لنافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، ليست مجموع الأحرف السبعة الواردة في حديث «أنزل القرآن على سبعة أحرف» كما يظنه بعض العوام، بل هي وغيرها من القراءات التي كانت مشهورة وانقطعت أسانيدها بانقراض رواتها، بعض هذه الأحرف كما يعلم ذلك من نصوص العلماء: قراء ومحدثين وفقهاء. ومن ذلك قول الإمام أبي محمد مكي في كتابه الإبانة: «هذه القراءات التي يقرأ بها الناس اليوم وصحت روايتها عن الأئمة، إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووافق اللفظ بها خط المصحف العثماني الذي أجمع الصحابة ومن بعدهم عليه.

فإن قيل: الأسانيد إلى الأئمة وأسانيدهم إليه -صلى الله عليه وسلم- على ما في كتب القراءات وإجازات القراء، آحاد لا تبلغ عدد التواتر؛ قلنا: إن انحصار الأسانيد في طائفة لا يمنع مجيء القراءات عن غيرهم. فلقد كان القرآن الكريم يتلقاه الجم الغفير من أهل كل بلد عن مثلهم، وكذلك دائماً، فالتواتر حاصل. وقد جرت عادة المسلمين في جميع الأمصار بأنه لو انفرد واحد بقراءة دون أهل بلده، لم يوافقه على ذلك أحد، بل كانوا يجتنبونها ويأمرون باجتنابها، ولا زالت هذه العادة جارية إلى زماننا هذا، ولها حوادث مدونة في كتب التاريخ» ا هـ.

ونسبة القراءات إلى الأئمة المعروفين اصطلاحية، لتصديهم لضبط الحروف عن شيوخهم فيها. ولا زال المقرئون في جميع الأمصار أحد رجلين: إما مقرئ بما زاد على السبع إلى العشر أو الأربع عشرة، وإما مقرئ بالسبع فقط غير منكر على من أقرأ بما فوقها مما ذكر، والمقرئون بما زاد على السبع لا يحصون.

وقد أجمع الناس من القرون الوسطى إلى الآن على تلقي القراءات العشر بالقبول.

وقد نص على تواترها غير واحد من الأئمة، وإن التواتر شامل للأصول والفرش كما نص عليه المحققون، كابن الجزري وغيره. وإن نازع منازع في تواتر شيء منها قلنا له: ما تقول في قراءة ابن كثير في سورة التوبة ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ [البقرة: 25] بزيادة من، وقراءة غيره بإسقاطها؟ فإن قال: متواترة، فهو الغرض، وإن منع تواترها فقد خرج عن الإجماع على تواترها، أو باهت فيما هو معلوم منها. وإن قال بتواتر بعض دون بعض فقد تحكم فيما ليس له، لأن ثبوتهما في الرتبة سواء، فلزم التواتر.

تاريخ القراءات:

ثبت أن جبريل عليه السلام كان يعارض النبي -صلى الله عليه وسلم- في رمضان كل عام بما ينزل عليه في طول السنة، وأنه -صلى الله عليه وسلم- كان يعلم أصحابه القرآن، وكانت فصاحتهم وطباعهم السليمة تقتضي قدرتهم على الأداء كما سمعوه منه -صلى الله عليه وسلم-، لأنه نزل بلغتهم.

ولكن لما كانت لغة العرب على ألسنة شتى وأنحاء مختلفة، ويعسر على كثير منهم الانتقال عما جرى عليه اعتياده، كان من تيسير الله تعالى وتخفيفه على هذه الأمة أن أمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- بأن يقرئ كل فريق بما جرت به عاداته وألفه طبعه. وقد ثبت أن القرآن كله كتب على عهده -صلى الله عليه وسلم- وبين يديه في الصحف والألواح والعسب، لكن غير مجموع في موضع واحد.

ولما توفي -صلى الله عليه وسلم- وقام بالأمر بعده الصديق -رضي الله عنه-، وأصيب المسلمون في واقعة اليمامة بقتل عدد كبير من القراء، أشير على أبي بكر بجمع القرآن فأمر زيد بن ثابت بكتبه، فكتبه زيد في صحف (أوراق مجردة جمع فيها القرآن سورا مفرقة كل سورة مرتبة بآياتها على حدة، ولم ترتب السور إثر بعضها). وكان لا يكتب منه شيئا حتى يشهد شهيدين على أنه مما كتب بين يديه -صلى الله عليه وسلم-، وأنه من الوجوه التي نزل بها القرآن. وكانت هذه الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر -رضي الله عنها-، وكانت محتوية على جميع الأحرف السبعة، كما نص على ذلك غير واحد من الأئمة.

وفي عهد عثمان-رضي الله عنه-رأى حذيفة بن اليمان أهل الشام والعراق يختلفون في القراءة وكل فريق يخطئ الآخر ويزعم أن قراءته خير من قراءته. فرجع إلى عثمان وأشار عليه بجمع الناس على مصحف واحد، فجمع عثمان الصحابة، وكانوا وقتئذ اثني عشر ألفا، واستشارهم فوافقوا على ذلك، فطلب عثمان الصحف التي كتبت في عهد أبي بكر، وأمر زيد بن ثابت وآخرين من الصحابة بنسخها فنسخوها في مصاحف، وعددها على المعتمد ستة: مصحف للمدينة، ومصحف لمكة، ومصحف للشام، ومصحف للبصرة، ومصحف للكوفة. وأبقى السادس لنفسه، وهو الذي يقال له الإمام. وقيل يقال لكل منها إمام.

وكانت كتابتهم هذه المصاحف بإجماع منهم على اللفظ الذي استقر عليه الأمر في العرضة الأخيرة التي قرأ بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على جبريل -عليه السلام- عام قبض دون ما كان مأذونا فيه قبلها، وعلى لسان قريش، وعلى ما صح مستفاضاً عنه عليه الصلاة والسلام دون غيره، قطعا لمادة الخلاف. فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ كسائر ما نسخ، فلس لأحد أن يتعدى الرسم. وجردوا كتابتها من النقط والشكل، وكتبوها متفاوتة في الحذف والإثبات لتحتمل ما صح نقله وثبتت تلاوته عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من بقية الأحرف السبعة مما هو في غير لسان قريش، إذ كان الاعتماد في نقل القرآن على الحفظ لا على مجرد الخط.

ولما أرسلت المصاحف الخمسة إلى المدن الخمس المذكورة، أرسل مع كل مصحف عالم لإقراء الناس بما يحتمله رسمه؛ فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدني، وبعث عبد الله بن السائب مع المكي، وبعث المغيرة بن شهاب مع الشامي، وعامر ابن عبد قيس مع البصري، وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفي، وكان في تلك البلاد في ذلك الوقت الجم الغفير من حفاظ القرآن من الصحابة والتابعين. فأجمع الناس على هذه المصاحف، وقرأ أهل كل مصر بما في مصحفهم، وتلقوه عن الصحابة الذين تلقوه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وقد اختلف هل هذه المصاحف مشتملة على الأحرف السبعة المذكورة في الحديث أو على بعضها؟ فذهب جماعة إلى الأول، بناء منهم على أنه لا يجوز للأمة أن تهمل نقل شيء منها، وذهب آخرون إلى الثاني إذ لم تكن الأحرف السبعة واجبة على الأمة، وإنما كان ذلك جائزا لهم مرخصا فيه، وقد حصل لهم الاختيار في أي حرف اختاروه. والحق الذي عليه أكثر المحققين كابن جرير وابن عبد البر والمهدوي ومكي والشاطبي وابن تيمية والقسطلاني وغيرهم أن الذي جمع في هذه المصاحف هو الذي اتفق على إنزاله، المقطوع به، المكتوب بأمره -صلى الله عليه وسلم-، وفيه بعض ما اختلف فيه من الأحرف السبعة لا جميعها. ثم بعد ذلك كثر الاختلاف فيما يحتمله رسم هذه المصاحف وصار أهل البدع والأهواء يقرءون بما لا تحل تلاوته وفاقا لبدعتهم، فاجتمع رأي المسلمين على أن يتفقوا على قراءات أئمة ثقات تجردوا للاعتناء بشأن القرآن العظيم، فاختاروا من كل مصر وجه إليها مصحف، أئمة مشهورين بالثقة والأمانة في النقل وحسن الدين وكمال العلم، أفنوا عمرهم في القراءة والإقراء، واشتهر أمرهم، وأجمع أهل مصرهم على عدالتهم، ولم تخرج قراءتهم عن خط مصحفهم. فمنهم بالمدينة أبو جعفر وشيبة ونافع، وبمكة ابن كثير وابن محيصن والأعرج، وبالشام ابن عامر وعطية بن قيس ويحيى الذماري، وبالبصرة ابن أبي إسحاق وأبو عمر بن العلاء وعاصم الجحدري ويعقوب الحضري، وبالكوفة يحيى بن ثابت وعاصم الكوفي والأعمش وحمزة والكسائي.

ثم إن القراء بعد ذلك تفرقوا في البلاد، وخلفهم أمم بعد أمم، كثر بينهم الاختلاف وقل الضبط، وكذا التخليط، واشتبه متواتر القراءات بفاذها ومشهورها بشاذها، فوضع الأئمة لذلك ميزاناً يرجع إليه، وهو السند والرسم والعربية، فكل ما صح سنده ووافق وجهاً من وجوه النحو، سواء أكان أفصح أم فصيحاً، مجمعاً عليه أو مختلفاً فيه اختلافا لا يضر مثله، ووافق خط مصحف من المصاحف المذكورة، فهو من السبعة المنصوصة في الحديث، سواء أكانت عن السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين. نص على ذلك الداني وغيره ممن يطول ذكرهم. إلا أن بعضهم لم يكتف بصحة السند، بل اشترط مع الركنين المذكورين التواتر، وجزم به النويري، وهو ظاهر بالنظر لمجموع القرآن، أما بالنظر لكل فرد من حروف الخلاف، فالظاهر أنه لا يشترط، إذ لو اشترط في ذلك لانتفى كثير منها مع ثبوته عن الأئمة.

والذي جمع في زماننا هذه الأركان الثلاثة هو قراءة الأئمة العشرة: نافع، وابن كثير، وأبي عمر، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبي جعفر، ويعقوب، وخلف؛ أخذها الخلف عن السلف إلى أن وصلت إلينا. فقراءة أحدهم كقراءة باقيهم في كونها مقطوعا بها.

المصدر: مجلة كنوز الفرقان؛ العدد: (الأول)؛ السنة: (الأولى)

   طباعة 
2 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي
جديد المقالات
جديد المقالات
دور الأسرة في انحراف الأولاد - ركــــن الــمــقــــالات
وداعا رمضان - ركــــن الــمــقــــالات
وقفات مع عيد الفطر - ركــــن الــمــقــــالات
فضل صيام الست من شوال - ركــــن الــمــقــــالات

ملاحظة: للتصفح بدون مشاكل المرجو اسخدام جوجل كروم

RSS

Twitter

facebook

Youtube

دخـــول الأعــضـــــاء
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
عدد الزوار
انت الزائر :374917
[يتصفح الموقع حالياً [ 22
الاعضاء :0الزوار :22
تفاصيل المتواجدون
الاحصائيات
لهذا اليوم : 1004
بالامس : 3685
لهذا الأسبوع : 4684
لهذا الشهر : 89576
لهذه السنة : 454625
منذ البدء : 7117464
تاريخ بدء الإحصائيات : 18-3-2011
بـحـث فـي الـمـوقـع
البحث في
شعارنا