مدينة سلا تودع الشيخ مصطفى النجار

المقال
مدينة سلا تودع الشيخ مصطفى النجار
4238 زائر
20-03-2012
الشيخ يحيى المدغري

مدينة سلا تودع الشيخ مصطفى النجار

خاتمة أعيان الفقهاء بالمدينة


بقلوب ملؤها الرضى بقضاء الله وقدره، نستقبل نبأ وفاة صاحب الفضيلة العلامة الفقيه الشاعر، والأديب الأريب الأستاذ مصطفى النجار رحمه الله رحمة واسعة.

لقد كانت أول معرفتي بالشيخ - رحمه الله- في مسجد السودان بمدينة سلا سنة ثمانية وسبعين وتسعمائة وألف، يوم أن كان خطيبا في هذا المسجد، ومع أن أول حديث سمعته منه قد مضى عليه أربعة وثلاثون عاما، فإني ما زلت أتمثله، وأتمثل فيه شخصية الشيخ مصطفى النجار، التي لم تتغير في خاطري، شخصية الأديب المطبوع، الذي يجمع بين بلاغة الكلام وخفة الروح، وشخصية الداعية الذي يطرق موضوعه بصراحة واضحة، وجرأة نادرة مما جرّ عليه غضب المسؤولين في كثير من المواقف، ولكنه أكسبه محبة وشعبية ومصداقية لدى معظم الناس، خاصتهم وعامتهم، مثقفيهم وأمييهم، وزادت معرفتي بالشيخ يوم أن كان مدرسا في المسجد الأعظم بسلا شارحا لمختصر الشيخ خليل وألفية ابن مالك، وقد سمعت منه رحمه الله أنه شرح هذه الأخيرة أكثر من عشر مرات، فكانت مجالسة الشيخ لا تمل، فتراه ينتقل في حديثه - على طريقة الجاحظ - من موضوع، إلى خبر إلى شعر، ويتخلل ذلك نوادره التي منها ما يحفظه، ومنها ما يكون مما حدث معه في حياته المديدة، وأنا أذكر أنه حدث بيني وبين الشيخ - رحمه الله - خلاف ترتب عليه جفاء بيننا لكنه رحمه الله أنهى هذا الجفاء الذي وسع دائرته بعض المرجفين في المدينة يوم أن عين رئيسا للمجلس العلمي بسلا حيث بادرني قائلا:

لا أنت قلت ولا سمعت أنــا *** هـذا حديـــــث لا يليـــق بنــــــــا

إن الكـرام إذا ما صحبتهــمُ *** ستروا القبيـح وأظهروا الحسنـا

ثم أردف قائلا :المجلس مجلسك، والذي يجمع بيننا أكثر من الذي يفرق بيننا، فما رأيت منه بعد ذلك إلا الكلمة الطيبة، والابتسامة العريضة'هذا هو الفقيه مصطفى النجار كما عرفته بإيجاز، وقد سألته قبل سنة: يا أستاذ هل بقي هناك فقيه – سلاوي - فسكت ثم حرك رأسه قبل أن يجيب قائلا: الفقيه بالمفهوم الذي تقصده لا يوجد : من ها هنا نحن نبكي موت شيخنا النجار، نبكي رحيل شيخ الجماعة، إن موت العلماء أعظم نكبة وأفدح رزية، وشتان بين أن يموت الرجل لنفسه وأن يموت الرجل لأمته:

لعمرك ما الرزية فقد شخص *** ولا ولد يموت ولا بعيـــــر

ولكن الرزيـــــة فقد شخـــــــص *** يموت لموتـه خلق كـثيــــر

لا أزال أستحضرك أيها الشيخ كما يستحضرك طلابك جميعا، وأنت جالس على كرسي الدرس، تسحر الألباب بروعة بيانك، وبلاغة منطقتك، فأنت حافظ اللغة وكلام العرب نثرا وشعرا، وحافظ المختصرات والمطولات، تلقي دروسك بداهة وتستحضر الشاهد من القرآن والسنة وكتب الفقه واللغة كلما احتجت إليه، ومختصر خليل ما أبلغه وأعذبه على لسانك أيها الشيخ - أجل – بالأمس رحل الشيخ رحلة الأبد، وفني منه الإنسان المتجسم، وسيبقى في الكون الإنساني الروحي منه، يعيش الجاهل فلا يسجل التاريخ أنه عاش، ويموت فلا يعرف أنه مات، كأنه لم يكن حيا، وإنما انتقل من موت إلى موت. أما شيخنا النجار فقد عاش فلما مات فقدنا فيه الحياة، وعرفنا بموته الموت – فلا إله إلا الله الحي الذي لا يموت والإنس والجن يموتون . وإن العين تدمع والقلب يخشع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا على فراقك يا شيخنا لمحزونون وإنا لله وإنا إليه راجعون

يحيى المدغري – مديرمدرسة ابن القاضي للقراءات

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي
جديد المقالات
جديد المقالات
دور الأسرة في انحراف الأولاد - ركــــن الــمــقــــالات
وداعا رمضان - ركــــن الــمــقــــالات
وقفات مع عيد الفطر - ركــــن الــمــقــــالات

ملاحظة: للتصفح بدون مشاكل المرجو اسخدام جوجل كروم

RSS

Twitter

facebook

Youtube

دخـــول الأعــضـــــاء
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
عدد الزوار
انت الزائر :365482
[يتصفح الموقع حالياً [ 38
الاعضاء :0الزوار :38
تفاصيل المتواجدون
الاحصائيات
لهذا اليوم : 1917
بالامس : 5758
لهذا الأسبوع : 17317
لهذا الشهر : 111235
لهذه السنة : 111212
منذ البدء : 6773770
تاريخ بدء الإحصائيات : 18-3-2011
بـحـث فـي الـمـوقـع
البحث في
شعارنا